| نبض المعلومات - بنك المعلومات خاص بتقوية[ الشخصية] وتقوية /المهارات الذاتية, بنك معلومات , اسئلة عامة , مسابقات عامة رمضانية |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 (permalink) |
|
نـبـض متألق
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: سوريا الحبيبة
المشاركات: 1,684
معدل تقييم المستوى: 38 ![]() |
أهم المعارك على مر التاريخ
أهم المعارك على مر التاريخ
هنا في هذه الصفحات نتذكر المعارك الاسلامية التي تشعرنا بالفخر وتذكرنا بماضينا المجيد نلقي الضوء على كل ما من شأنه رفع هممنا وسبب انتشار الاسلام في العالم ونعود ونبحث في المعارك الحديثة والحروب ومصائبها على البشرية كيف نتحدث عن المعركة 1- اسم المعركة وتاريخها واسم قائدها 2- اسبابها 3- وقائعها 4- نتائجها 5- التضحيات التي قدمت فيها 5- اثر المعركة في نفسك وماذا تفعل لو كنت فيها اتمنى من الجميع المشاركة فالتاريخ عامر بالمعارك وخاصة التاريخ الاسلامي ومعاركه المشرفة
__________________
![]() أذا اردت شيئا فاطلق صراحه ان عاد لك فانه ملكك وان لم يعد فهو ليس ملكك من البداية عطر الورد وطيب الزهر |
|
|
|
|
|
#2 (permalink) |
|
نـبـض متألق
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: سوريا الحبيبة
المشاركات: 1,684
معدل تقييم المستوى: 38 ![]() |
بلاط الشهداء (بواتييه ) الاندلس
تولى عبد الرحمن بن عبدالله الغافقي إمرة الأندلس زمن الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك سنة 112هـ ، فطاف الأقاليم ينظر في المظالم ، ويقتص للضعفاء ، ويعزل الـولاة الذين حادوا عن جادة الطريق ، ويستبدل بهم ولاة معروفين بالزهد والعدل ، ويتأهـب للجهاد ، ودعا المسلمين من اليمن والشام ومصر وإفريقية لمناصرته فجاؤوا وازدحمت بهم قرطبة . وجمع الغافقي المجاهدين في مدينة بنبلونة ، وخرج باحتفال مهيب ليعبر جبال البرانس شمال أسبانيا ، واتجه شرقاً جنوب فرنسا فأخضع مدينة أرل ، ثم اتجه إلى دوقية أقطانيا فانتصـر عـلى الدوق أودو انتصـاراً حاسماً ، وتقهقر الدوق ، واستنجـد بشارل مارتل ، حاجـب قصـر الميروفنجيين حكام الفرنجة وصاحب الأمر والنهي في دولة الفرنجة ، وكان يسمى المطرقة ، فلبى النداء ، وكان قبلها لا يحفل بتحركات المسلمين جنوب فرنسا بسبب الخلاف الذي بينه وبين دوق أقطـانيا الذي كان سببه طـمع شارل بالدوقية ، وبذلك توحـدت قوى النصرانية في فرنسا . واجتمع الفرنجة إلى شارل مارتل وقالوا له : ماهذا الخزي الباقي في الأعقاب ،كنا نسمع بالعرب ونخافهم من مطلع الشمس حتى أتوا من مغربها ، واستولوا على بـلاد الأندلـس وعـظيم ما فيها من العدة والعـدد ، بجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهـم لا دروع لهم ، فأجابهم : الرأي عندي ألا تعترضوهم في خرجتهم هذه فإنهم كالسيل يحمل ما يصادفه ، وهم في إقبال أمرهم ، ولهم نيات تغني عن حصـانة الدروع ، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ، ويتخذوا المساكن ، ويتنافسوا في الرئاسة ، ويستعين بعضهم على بعض فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر . وأنهى شارل حروبه مع السكسون والبافاريين ، وتنبه لفتوح المسلمين ، وأما الغافقي فقد مضى في طريقه متتبعاً مجرى نهر الجارون ففتح بردال ، واندفع شمالاً ووصل إلى مدينة بواتييه . وكانت المعركة في مدينة بواتييه جنوب فرنسـا ، على مسافة عشرين كيلومتراً منها ، وتسمى المعركة : البلاط ، بلاط الشهداء ، تور ، بواتييه . والمقصود بالبلاط القصر أو الحصن ، ولعل مكان الموقعة كان بجوار قصر أو حصن كبير ولكن حسب ما تعلمته ودرسته ان سبب التسمية يعود الى كثرة الشهداء وتلاصق اجسامهم ببعضها فكانوا كالبلاط المرصوص . موازين القوى : 1- عدد الجيش الفرنجيّ أكبر من جيش المسلمين ، فهم سيل من الجند المتدفق ، ولم يكن الجيش المسلم يزيد عن سبعين ألفاً ، وقد يصل إلى مائة ألف . 2- موقف الفرنجة الاستراتيجي أفضل وأجود ؛ لمعرفتهم بالموقع ، والقدرة على القتال في جو شات مطير وأرض موحلة . 3- الفرنجة مددهم البشري والتمويني قريب ، بينما المسلمون على بعد يجاوز ألف كيلومتر عن عاصمة الأندلس . 4- الغنائم التي حملها الجيش الإسلامي مما غنموه في المعارك السابقة ، فقد كانت سبباً مهماً في الخسارة كما سيأتي ، ولو أنهم تركوها في برشلونة مثلاً لاطمأنت نفوسهم وخلت أيديهم للعمل المقبل ، ولكنهم حرصوا عليها وانقلبت عليهم ثقلاً يرهقهم ويضعف حركتهم . والتقى الجمعان في أواخر شعبان سنة 114هـ ، ورابط كل منهما أمام الآخر ثمانية أيام ، وكان المسلمون هم الذين بدأوا القتال ، ولم يشتبك الجيشان في المعركة إلا بعد بضعة أيام ظلا خلالها يتناوشان في اشتباكات محلية ، ثم اشتبكا بعد ذلك في قتال عنيف ، واجتهد الفرنجة ومن معهم من الألمان والسويف والسكسون في اختراق خطوط المسلمين يومين متتاليين دون نتيجة ، وقد بذلوا أقصى ما استطاعوا من جهد وهجم مشاتهم وفرسانهم على المسلمين هجوماً عنيفاً بالحراب ، ولكن المسلمين ثبتوا ، بل بدا قرب مساء اليوم الثاني أن المسلمين أخذوا يتفوقون على عدوهم ، ثم حدث بعد ذلك أن اندفعت فرقـة من فرسـان الفرنجة فاخترقت صفوف المسلمين في موضع ، وأفضت إلى خلف الصفوف حيث كان المسلمون قد أودعوا غنائمهم ، وكانت شيئاً عظيماً جداً ، فريع الجند الإسلامي ، وخشي الكثيـرون من أفراده أن يستولي عليها هؤلاء الفرنجة ، فالتفت بعضهم وعادوا إلى الخلف ليبعدوا عنها الأعـداء ، وهنا اضطربت صفوف المسلمين واتسعت الثغرة التي نفـذ منها الفرنجة ، فاندفعوا فيها في عنف وقوة زلزلت نظام القوات الإسلامية ، وحاول عبد الرحمن الغافقي أن يثبت جنوده ويعيد نظامه أو يصرفه عن الهلع على الغنائم فلم يوفق ، وأصابه سهم أودى بحياته ، وصبر المسلمون حتى أقبل الليل فانتهـزوا فرصة الظـلام وتسللوا متراجعين إلى الجنوب على عجل ، وكل ذلك أوائل شهر رمضان سنة 114هـ . وحينما أسفر الصبح نهض الفرنجة فلم يجدوا من المسلمين أحداً ، فتقدموا على حذر من مضارب المسلمين فإذا هي خالية منهم ، وقد فاضـت بالغنائم والأسلاب والخيرات ، فظنوا أن في الأمر خدعة ، وتريثـوا قبل أن يجتاحوا المعسكر وينتهبوا مافيه ، ولم يفكر أحد منهم في تتبع المسلمين ؛ إما لأنهم خافوا أن يكون المسلمون قد نصبوا لهم بهذا الانسحاب شركاً ، أو لأن شارل مارتل تبين مانزل بالمسلمين فرأى أنه يستطيع العودة إلى الشمال مطمئناً إلى أنهم انصرفوا عنه وعن بلاده ، واندفع المسلمون في تراجعهم نحو الجنوب مسرعين ، واتجهت جموعهم نحو أربونة ، وحينما أحسوا أن أحداً من النصارى لا يتتبعهم تمهلوا في سيرهم ليستجمعوا صفوفهم من جديد . وهكذا انتهت المعركة ، ولو انتصر فيها المسلمون لتخلصت أوروبا من ظلماتها وجهالتها واستبدادها وحطمت الاستغلال والاضطهاد ، ولذا قال جيبون : لو انتصر العرب في تور _ بواتييه لتلي القرآن وفسر في اكسفور وكمبردج . وما إن وصل الخبر إلى الخليفة الأموي حتى أمر والي إفريقية بإرسال مدد بقيادة عبد الملك بن قطن الفهري ، وأمره الخليفة بغزو فرنسا ، وتوجه عبد الملك إلى نواحي شمال الأندلس وحصن المعاقل التي بأيدي المسلمين ، وبقي أهالي جنوب فرنسا يكرهون الفرنجة رغم انتصارهم على المسلمين ، وتحالفَ بعض أمراء جنوب فرنسا مع المسلمين ضد الفرنجة ؛ وذلك كرهاً للهمجية البربرية في شارل وجيشه ، ولكن بلاط الشهداء كانت آخر محاولة جدية قام بها المسلمون لغزو بلاد الفرنجة . ولو انتصر المسلمون في هذه المعركة لدخلوا أوروبا فاتحين منظمين ، يريدون إدخالها في رحاب دولتهم وتحويلها إلى الإسلام ، ولو استقر لهم الأمر في فرنسا لاتجه نظرهم إلى ما وراءها ، ومن هنا كانت أهمية بلاط الشهداء في تاريخ النصرانية فقد حالت بينهـا وبيـن الزوال
__________________
![]() أذا اردت شيئا فاطلق صراحه ان عاد لك فانه ملكك وان لم يعد فهو ليس ملكك من البداية عطر الورد وطيب الزهر |
|
|
|
|
|
#3 (permalink) |
|
نـبـض متألق
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: سوريا الحبيبة
المشاركات: 1,684
معدل تقييم المستوى: 38 ![]() |
معركة ذات الصواري
لما ولي معاوية بن أبي سفيان الشام ألح على عمر الفاروق في غزو البحر ، وكتب له معاوية : ( إن قرية من قرى حمص ليسمعُ بنباح كلابهم ، وصياح دجاجاتهم ) . فاحتار عمر وكتب إلى عمرو بن العاص واليه على مصر : ( صف لي البحر وراكبه ؛ فإن نفسي تنازعني عليه ) . فكتب عمرو : ( إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلقٌ صغير ، ليس إلا السماء والماء ، إن ركد خرق القلوب ، وإن تحرك أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين – بالنجاة – قلة ، والشك كثرة ، هم فيه كدود على عود ، إن مال غرق ، وإن نجا برق ) . قرأ عمر الكتاب ثم كتب إلى معاوية : ( والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً ، وبالله لمسلمٌ واحدُ أحب إلي مما حوت الروم ) . ولما ولي عثمان الخلافة كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر، وذلك بعد أن بدأ معاوية باستكمال الاستعدادت ، فوافق عثمان على طلبه ، وكتب إليه : ( لا تنتخب الناس ، ولا تقرع بينهم ، خيرهم ، فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه ) . فبنى معاوية أسطولاً إسلامياً ، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي فاستطاع فتح قبرص . وولى عثمان عبد الله بن سعد بن أبي السرح ولاية مصر فبدأ بغزو جنوب ليبيا ، ثم غزا بلاد النوبة ، بالإضافة إلى أن معاوية سيطر على الشواطىء في بلاد الشام وآسيا الصغرى ، فلما رأى الروم خسائرهم المتوالية في البر جمع قسطنطين بن هرقل أسطولاً رومياً به ألف سفينة لضرب المسلمين ، فأرسل معاوية - بعد إذن عثمان - مراكب الشام بقيادة بُسر بن أرطاة ، واجتمع مع بن أبي سرح في مراكب مصر ، ومجموعها مائتا سفينة فقط ، وكانت المعركة التي يترجح أنها وقعت على شواطىء الاسكندرية ، سنة 32 للهجرة . والتقى الجيشان في عرض البحر ، وطلب المسلمون من الروم : إن أحببتم ننزل إلى الساحل فنقتتل ، حتى يكتب لأحدنا النصر ، وإن شئتم فالبحر ، فأبى الروم إلا الماء ، وبات الفريقان تلك الليلة في عرض البحر ، وقام المسلمون الليل يصلون ويدعون ويذكرون ، وبات الروم يضربون النواقيس . ولما صلى المسلمون الفجر أمر عبد الله جنده أن يقتربوا من سفن أعدائهم فاقتربوا حتى لامسوها ، ونزل الفدائيون إلى الماء وربطوا السفن العربية بسفن الروم بحبال متينة ، وبدأ الروم القتال ، وصار قاسياً ، وسالت الدماء حتى احمرت صفحة المياه ، وترامت الجثث في الماء ، وضربت الأمواج السفن حتى ألجأتها إلى الساحل ، وقتل من المسلمين الكثير ، وقتل من الروم ما لا يحصى ، وصمد المسلمون ، فكتب الله لهم النصر بما صبروا ، واندحر الروم ، وكاد قسطنطين أن يقع أسيراً في أيدي المسلمين ، لكنه فر مدبراً والجراحات في جسمه حتى وصل جزيرة صقلية ، فسأله أهلها عن أمره ، فأخبرهم فقتلوه حنقاً عليه. والصواري جمع صار ، وهي الخشبة المعترضة وسط السفينة ، وسميت المعركة كذلك لكثرة صواري المراكب واجتماعتها ، أو لكثرة ساريات السفن التي التحمت في القتال في ذلك اليوم (1200 سفينة عربية ورومية
__________________
![]() أذا اردت شيئا فاطلق صراحه ان عاد لك فانه ملكك وان لم يعد فهو ليس ملكك من البداية عطر الورد وطيب الزهر |
|
|
|
|
|
#4 (permalink) |
|
نـبـض متألق
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: سوريا الحبيبة
المشاركات: 1,684
معدل تقييم المستوى: 38 ![]() |
نهاوند "فتح الفتوح"
إن الحمد لله.. أما بعد: انتهت معركة القادسية بانتصاراتها وبطولاتها الرائعة ونزل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قصر كسرى وهو يقرأ قول الله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ*وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ*كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [(25-28) سورة الدخان]. هربت الفرس وتجمعت في جلولاء وجعلوا حول المدينة خندقاً واجتمعوا متكاتفين وقائدهم "مهران" يوحّد بينهم ويلمّ شعثهم وينفخ فيهم روح الثبات، ومما زاد الأمر تعقيداً أن الفرس طرحوا حول الخندق حسك الحديد إلاّ طرقاً يعرفونها، فكتب سعد بذلك إلى القائد الأعلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فكتب عمر إلى سعد: "أن سرِّح هاشم بن عتبة إلى جلولاء في اثني عشر ألفاً، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو". سار هاشم وحاصر الفرس وأحاط بخندقهم، وزاحفهم مرّات عديدة ولم يتحقق النصر وخشي المسلمون أن يقال عنهم: أن حب الدنيا أخّرهم عن الشهادة أو النصر، فصمم الجميع على الهجوم على خنادق الفرس، وكان البطل هنا هو بطل القادسية، القعقاع بن عمرو، فتقدم وتقدم الناس وراءه حتى انتهوا إلى باب الخندق، فإذا بالقعقاع قد أَخذ به وافتتحه وأخذ الفرس في الهزيمة فقُتل منهم خلق كثير، فسميت جلولاء بما جلَّلها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة. كتب عمر إلى سعد: "إن فتح الله عليكم جلولاء فسرِّح القعقاع في أثر القوم حتى ينـزل "بحلوان" فيكون ردءاً للمسلمين ويحمي لكم سواد العراق". وبالفعل فقد أقام هاشم في جلولاء وسار القعقاع في أثر المنهزمين فأدرك "مهران" أثناء الطريق فقتله، فبلغ "يزدجرد" هزيمة جنده في جلولاء ومقتل "مهران" فخرج من حلوان هارباً إلى مدينة "الرَّي" ودخل القعقاع حلوان. استمر يزدجرد يثير أهل فارس يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم فتحركوا ثانية وتكاتبوا، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز بعثاً كثيفاً مع النعمان بن مقرِّن وعَجّل. سار النعمان في أهل الكوفة، فلما سمع الهرمزان بقدومه طمع أن يتغلب عليه وينصر أهل فارس لكن النصر كان من الله لعبده الصالح النعمان بن مقرِّن، فهرب الهرمزان إلى مدينة "تُستَر". لحق النعمان الفرس حتى تُستَر وحاصرها أشهراً وطال التزاحف حتى بلغ ثمانين زحفاً لم يحقق به المسلمون ولا الفرس نصراً، وقد تفانى الصحابة في القتال لفتح هذه المدينة فقَتل البراء بن مالك لوحده أثناء الحصار مائة مبارز من الفرس، وقَتل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وربعي بن عامر مثل ذلك، ولما كان آخر زحف واشتد القتال تقدم نفر من المسلمين إلى البراء بن مالك وقالوا: يا براء أقسم على ربك ليهزمنّهم لنا! فقال البراء: "اللهم اهزمهم لنا واستشهدني". إنه البراء بن مالك، من عباد الله الصالحين، كان إذا أقسم على الله أبرّه. كان - رضي الله عنه - حسن الصوت يحدو بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره، ومما عُرف عنه -وهو شرف له- قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "لا تستعملوا البراء على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك". نطق البراء بهذه الكلمات فألهب الحماس وأصبح الجميع يشتاقون إلى الشهادة كما اشتاق هو إليها، فتقدمت جموع المسلمين ترمي بأنفسها إلى الشهادة حتى حَصر المسلمون الفرس في المدينة وصاروا في ضِيقٍ وحرج. وبينما هم كذلك خرج إلى النعمان رجل فاستأمنه على أن يدله على مدخل يُؤتون منه، فأمّنه النعمان فقال الرجل: انهدّوا من قبل مخرج الماء فإنكم ستفتحونها، فندب النعمان للأمر رجالاً هم كتائب الموت، فاستطاعوا فتح أبواب المدينة بعد قتال شديد داخلها، حتى هرب الهرمزان وحُوصر في القلعة وسط المدينة، فأقدم عليه الرجال الذين يبحثون عن الموت ولا يجدونه إلا في سيوف أعدائهم لكنه يفر منهم ويحل بالأعداء. وصلت كتائب الموت –الفدائيون- إلى الهرمزان فقال لهم: ما شئتم! قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جعبتي مائة نشّابة، ووالله ما تصلون إليّ ما دام معي نشّابة، قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما يشاء. وهذا جُبن من الهرمزان، إذ المفروض أن يقاتل حتى يُقتل كما قُتل أصحابه، لكنه أراد أن يطيل حياته بحجة أنه يريد أن يُحكِّم عمر. رضوا بذلك، فرمى الهرمزان قوسه وأمكنهم من نفسه فشدوه وثاقاً. أخذ أنس بن مالك والأحنف بن قيس الهرمزان إلى المدينة وألبسوه كسوته من الديباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجاً مكللاً بالياقوت حتى يراه عمر والمسلمون في هيئته، دخلوا المدينة وكان عمر نائماً في ميمنة المسجد متوسداً بُرنسه، رأى الهرمزان هذا الإنسان الوحيد نائماً في المسجد فقال: أين عمر؟ قالوا: هو ذا. فقال: أين حرسه وحجّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب. قال: فينبغي له أن يكون نبياً. قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. كثر الناس وزادت الجلبة، فاستيقظ عمر واستوى جالساً ثم نظر إلى الهرمزان وقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه من الثياب ثم قال: "أعوذ بالله من الناس وأستعين بالله، الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم ولا تبطرنّكم الدنيا فإنها غرّارة". قال الوفد لعمر: هذا مَلِكُ الأهواز فكلِّمه، قال عمر: لا، حتى لا يَبقى عليه من حليته شيء. فَرُمِي عنه كل شيء عليه إلاّ شيئاً يستره، وألبسوه ثوباً صفيقاً. وبعدها كلّمه عمر فقال له: ما عذرك وما حجتك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال عمر: لا تخف ذلك. طلب الهرمزان ماءً، فأتي في قدح غليظ. فقال: لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب بمثل هذا. فأُتي الماء في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجف وقال: إني أخاف أن أُقتل وأنا أشرب الماء. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه. فأراق الهرمزان الماء. فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش. فقال الهرمزان: لا حاجة لي في الماء، وإنما أردت أن أستأمن به. فقال له عمر: إني قاتلك. قال: قد أمّنتني. فقال عمر: كذبت. فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين قد أمّنته، لأنك قلت: لا بأس عليك حتى تشربه. فأقبل عمر على الهرمزان وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم. فأسلم الهرمزان. والذي يظهر أنه أسلم نفاقاً؛ لأنه قد تآمر فيما بعد مع أبو لؤلؤة المجوسي لقتل عمر، ونفذا الخطة، فقتله عبدالله بن عمر سنة 24هـ. وفي هذه الأثناء وصل إلى عمر كتاب باجتماع جيش كثيف من الفرس في نهاوند. فقد كاتب يزدجرد أهل السند وخراسان وحلوان ليجتمعوا فيوجهوا ضربة حاسمة لجيش الإسلام، وبالفعل فقد تحرك سكان هذه المدن والمناطق وتكاتبوا واجتمعوا في نهاوند في جمع يبلغ مائة وخمسين ألفاً، غادر سعد بن أبي وقاص الكوفة قاصداً عاصمة الخلافة؛ ليخبر عمر بخطر الموقف شفاهةً. قام عمر على المنبر خطيباً بعد أن نودي الصلاة جامعة وأخبر الناس بما يجري في جبهة الشرق، وقال: هذا يوم له ما بعده من الأيام، وطلب مشورتهم، فتكلم رجال من أهل الرأي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال عمر: أشيروا عليّ برجل أوليه ذلك الثغر غداً. فقالوا: أنت أفضل رأياً وأحسن مقدرةً. قال: أشيروا عليّ به واجعلوه عراقياً. قالوا: يا أمير المؤمنين أنت أعلم بأهل العراق، وجندك قد وفدوا عليك ورأيتهم وكلمتهم. فقال: "أما والله لأولينّ أمرهم رجلاً ليكوننّ أول الأسنة إذا لقيها غداً، فقيل: من يا أمير المؤمنين؟ فقال: النعمان بن مقرِّن المزني. فقالوا: هو لها". لقد عرف الفاروق من يختار لنهاوند، اختار لها النعمان، سليل بيت ابن مقرِّن، قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "إن للإيمان بيوتاً وللنفاق بيوتاً، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرِّن". وكفى بها شهادة. للنعمان تسعة أخوة كلهم أصحاب فضل ولهم صحبة وهم: "سنان" وله ذكر في الغزوات مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، و"سويد" قائد من قواد الفتح، فتح طبرستان وجرجان، و"عبدالله" كان على ميسرة الصدّيق حين خرج من المدينة لقتال المرتدين، و"عبدالرحمن" كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو غيّره النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عبدالرحمن، و"عقيل" و "معقل" من قادة الفتح، و"مرضي" كان يحسن الكتابة فقد كتب وثيقة الصلح مع أهل الباب، و"نعيم" كان له دور بارز في نهاوند، والتاسع "ضرار" أمّره خالد حين حصار الحيرة. كلهم صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس ذلك لأحد من العرب غيرهم، نزلت بحقهم الآية الكريمة: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [(99) سورة التوبة]. كتب عمر إلى النعمان: "بسم الله الرحمن الرحيم: من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرِّن، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني قد بلغني أن جموعاً من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعراً فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلنّهم غَيْضة فإن رجلاً من المسلمين أحبُّ إليّ من مائة ألف دينار، والسلام عليك". استلم النعمان كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فسار - رضي الله عنه - ومعه وجوه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان منهم: حذيفة بن اليمان، وعبدالله بن عمر، وجرير بن عبدالله البجلي، والمغيرة بن شعبة وعمرو بن معد يكرب، وطليحة بن خويلد، وغيرهم ووصل إلى نهاوند. اجتمع المسلمون حول نهاوند واجتمع الفرس فيها وأميرهم "الفيرزان". أرسل أحد قواد الفرس واسمه "بندار" إلى جيش المسلمين: أن أرسلوا إلينا رجلاً نكلمه، فذهب إليهم داهية المسلمين "المغيرة بن شعبة" بمنظر رهيب وشعر مسترسل طويل، فلما وصل إليهم استشار "بندار" أصحابه بأي هيئة نأذن له؟ هل بشاراتنا وملكنا وفخامتنا؟ حتى نرهبهم بقوة ملكنا أم بالتقشف حتى يزهدوا بنا ولا يطمعوا في ملكنا؟ فأشاروا عليه: بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدة، فتهيؤوا له بأفخر الأثاث والثياب. دخل المغيرة، فقرّبوا إلى جسمه ووجهه الحراب والنيازك يلتمع منها البصر وجند "بندار" حوله كي يزيدوا المنظر رهبة، أما "بندار" فعلى سرير من الذهب وعلى رأسه تاج نفيس. قال المغيرة: فمضيت فصاروا يدفعونني ويزجرونني. فقلت: الرسل لا يُفعل بهم هذا. فقالوا: إنما أنت كلب. يقول المغيرة: فقلت: لأنا أشرف في قومي من هذا في قومه - وأشار إلى بندار -. فانتهره الجند وقالوا: اجلس. فجلس فتكلم "بندار" وتُرجم للمغيرة، ومما قاله: إنكم معشر العرب أبعد الناس من كل خير، وأطول الناس جوعاً، وأشقى الناس شقاءً، وأقذر الناس قذراً، وأبعدهم داراً، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشّاب إلا تنجُّساً لجيفكم فإنكم أرجاس، فإن تذهبوا تركناكم، وإن تأتوا نريكم مصارعكم. قال المغيرة: فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: والله ما أخطأت من صفتنا شيئاً ولا من نعتنا، إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشد الناس جوعاً، وأشقى الناس شقاءً، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله - عز وجل - إلينا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فوعدنا النصر في الدنيا والجنة في الآخرة فوالله ما زلنا نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتح والنصر، حتى أتيناكم، وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نُقتل بأرضكم، وإني أرى عليكم بِزّةً وهيئة ما أرى مَن خلفي يذهبون حتى يصيبوها. قال المغيرة: فقلت في نفسي: لو جمعتُ ثيابي فوثبت وثبة فقعدت مع هذا العلج "بندار" على سريره لعله يتطير؟ قال: فوجدت غفلة فوثبت فإذا أنا معه على سريره، فصرخ "بندار" خذوه، فأخذه الجند وصاروا يطأونه بأرجلهم، فقال المغيرة: هكذا تفعلون بالرسل! فإنا لا نفعل هكذا ولا نفعل برسلكم هذا. شعر "بندار" أن المغيرة بدأ يحطم من معنويات جنده، لأنه بدأ يُظهر عزّته الذي هذّبه بها الإسلام، وظهرت سوء أخلاقيات الفرس، فأراد أن يقطع هذه المناظرة فقال: إن شئتم قطعتم إلينا، وإن شئتم قطعنا إليكم. فعاد المغيرة واستشار قائد الجيش النعمان، فقال النعمان: اعبروا.. يُذكّرنا موقف المغيرة - رضي الله عنه - بالسفراء الثلاثة في القادسية وأثرهم الكبير في نفوس الطرفين، كما يُذكّرنا موقف "بندار" بموقف "رستم" إذ المنطق واحد عندما وصف العرب بالجوع والعُريّ والبعد عن معترك الحياة وهذا صحيح ولكن قبل مجيء الإسلام، ولكن بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعدما فَتح أعظم جامعة في هذه الدنيا وهي مسجده - عليه الصلاة والسلام -، تغيّر الحال كثيراً، وصار الفارق عظيماً، كان يأتي الإنسان الخام وهو بدوي فيدخل تلك الجامعة، مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتلقى تلك التربية على يد أعظم شخصية عرفتها البشرية، فإذا ببائع القماش أبي بكر، وراعي الجِمال عمر، وجبال آخرون تخرجوا من ذلك المسجد يحملون شهادة الإسلام التي تعشق العلم وتحارب الجهل، تخرجوا وهم يحملون رسالة الإسلام القائمة على استعمال العقل والفكر ومحاربة الانهزامية وترك الأسباب بلا استعمال، تخرّجوا يحملون روح الجهاد متوَّجة بروح الاستشهاد. كان من حيل الفرس في هذه المعركة أن طرحوا حسك الحديد حول المدينة، والحسك يشبه شوك السعدان، فبعث النعمان عيوناً للاستطلاع فساروا لا يعلمون بالحسك فلم يبرح الفرس مكانه فنـزل صاحبه ونظر في يده فإذا في حافره حسكة فعاد إلى الجيش وأخبر النعمان أن سلاحاً جديداً استخدمه الفرس لم يُعهد سابقاً وهو نشر الحسك حول المدينة، وهو أشبه ما يكون بالألغام في عصرنا الحاضر، فقام النعمان يسأل أهل الرأي في جيشه، فكان الرأي أن ينتقل الجيش من هذا المكان كأنه هارب فيخرج الفرس في طلبهم، فانتقل النعمان، فخرج الفرس وكنسوا الحسك في طلب المسلمين وكان النعمان قد عبَّأ الكتائب ونظم الجيش وكان عدده ثلاثون ألفاً، وجعل على مقدمة الجيش نعيم بن مقرِّن، وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرِّن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو. ولما رأى النعمان جمعهم الكبير كبَّر فكبَّر معه المسلمون فتزلزلت قلوب الفرس وحطّت قواهم، وقد سمع الفرس هذه التكبيرة سابقاً في القادسية ويعلمون نتائجها وأثرها في نفوس من يرددها. أنشب النعمان القتال يوم الأربعاء ودام على شكل مناوشات حادة إلى يوم الخميس والحرب بين الفريقين سجال وكان الفرس خلالها في الخنادق خشي المسلمون أن يطول الأمر فإنهم لم يعتادوا ذلك في لقاء العدو فربما كان علامة نقص في الإيمان أو شاهد على حب الدنيا، فتجمع أهل الرأي فكأنهم هيئة أركان لأكبر قائد ولأطهر جيش. فقال النعمان: ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاؤوا فما الرأي. فكان الرأي ما أشار به طليحة أن يُبعث خيلاً مؤدية فَيُحدقوا بهم ثم يرموا ليُنشبوا القتال ويُغضبوهم فإذا غضبوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج هرب المسلمون خدعة، فيخرج الفرس في أثرهم. أمر النعمان القعقاع أن يُنشِب القتال بعد أن رتب معه الخطة وهي أن يسحب جيش الفرس إلى كمين وهو عبارة عن مكان محاط بالجبال من ثلاث جهات، يسمى في مصطلح الحروب بعنق الزجاجة، يختبئ حوله المسلمون حتى يصل القعقاع بالفرس فينقضّ المسلمون عليهم وكان ذلك يوم الجمعة، فتقدم القعقاع وأنشب القتال فخرج الفرس من خنادقهم، فلما خرجوا نكص القعقاع بجنده حسب الخطة ثم نكص ثم نكص واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقال الفرس: هي هي - أي هي هزيمة المسلمين - فخرج الفرس ولم يبق منهم أحد في الخنادق إلا من يقوم على الأبواب، وجعلوا يَتّبعون المسلمين حتى انقطعوا عن حصنهم وخنادقهم وأمر النعمان الناس أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يَأذن لهم، ففعلوا واستتروا بالتروس من رمي الفرس، وأقبل الفرس على كتيبة القعقاع ومن معه وكانوا مئتي فارس فقط قُتل منهم مائة وعشرين ولم يبق معه إلا ثمانون فارساً وصار الفرس يرمونهم حتى أثخنوا فيهم الجراحات، وشكا بعض المسلمين إلى بعض تأثراً بما أصاب القعقاع ومن معه، فقالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه! ألا ترى ما لقي الناس! يعني القعقاع ومن معه، فماذا تنتظر؟ ائذن للناس في قتالهم. فقال النعمان: رويداً. قالوا له مرات كثيرة ماذا تنتظر؟ فيجيب بمثل قوله: رويداً. وأوضح لهم أنه يرجو في المكث مثل الذي يرجون في الحث. فماذا كان ينتظر النعمان؟ كان ينتظر أحب الساعات إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك التي كان يلقى العدو فيها، وذلك عند الزوال حيث تفيؤ الأفياء وهبوب الرياح. وكذلك اكتمال الخطة بدخول كامل جيش الفرس عنق الزجاجة. اقترب وقت الزوال، تلك الساعة التي ينتظرها النعمان، فركب فرسه وسار في الناس ووقف على كل راية يذكرهم بالله ويحرضهم على عدوهم ويمنيهم الظفر ثم قال: "ما منعني من أن أناجزهم إلا شيء شهدته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار، لم يَعجَل حتى تحضر الصلاة وتهب الرياح ويطيب القتال، فما منعني إلا ذلك". ثم قال: "فإذا قضيت أمري فاستعدوا فإني مكبر ثلاثاً، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية فليشدّ الرجل إزاره وليتأهب للنهوض، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معاً، فإن قُتلت فالأمير بعدي حذيفة بن اليمان، فإن قُتل ففلان وعدّ سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة. وقف هذا القائد الكبير والفارس العظيم أمام جنده فكبَّر التكبيرة الأولى، ثم كبَّر التكبيرة الثانية، وقبل أن يكبِّر التكبيرة الثالثة قال كلمات خالدة خلود الزمن فقال: "اللهم اعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على اعزاز دينك ونصر عبادك، اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام، أمِّنوا يرحمكم الله". فبكى الناس لأن أميرهم مستجاب الدعوة فعرفوا أنه مقتول. رجع النعمان إلى موقفه والناس ينتظرون التكبيرة الثالثة وهم سامعون مطيعون مستعدون للقتال، فكبَّر التكبيرة الثالثة، ودقت ساعة الإسلام وحانت ساعة الصفر، وانقضّت راية الأمير القائد انقضاض العقاب، والنعمان معلَّم يعرفه الناس بقلنسوته. قال المغيرة بن شعبة بعدما رأى الزحف: "والله ما علمت من المسلمين أحداً يومئذٍ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يُقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة، وثبتوا لنا، فما كنا نسمع إلا وقع الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب كبيرة، فلما رأوا صبرنا وأنّا لا نبرح ساحة القتال انهزموا". تقدم النعمان كالبرق بين الصفوف، وبدأ الفرس يتركون ساحة المعركة وفي هذه الأثناء زلق بالنعمان فرسه من كثرة الدماء التي سُفحت في أرض المعركة فصُرع بين سنابك الخيل، وجاءه سهم في جنبه، فرآه أخوه نعيم فسجاه بثوب وأخذ الراية قبل أن تقع. أخذ نعيم بن مقرِّن الراية وناولها إلى حذيفة بن اليمان فأخذها حذيفة وتقدم الصفوف حيث كان النعمان، ولما علم المغيرة باستشهاد النعمان قال: "اكتموا مُصاب أميركم حتى ننتظر ما يصنع الله فينا وفيهم لئلا يهن الناس". ولما أظلم الليل انهزم الفرس ومما زاد خسارة هزيمتهم أنهم هربوا دون قصد فوقعوا في وادٍ دونهم فكان واحدهم يقع فيقع معه وعليه ستة بعضهم على بعض، وجعل حسك الحديد يعقرهم، فمات في هذه المعركة التي دامت من الزوال حتى أول الليل مائة ألف أو يزيد، قتل في الوادي وحده ثمانون ألفاً. عندها هرب الفيرزان، علم القعقاع به، فتبعه هو ونعيم بن مقرّن فأدركاه في ثنية همدان في وادٍ ضيق فإذا بقافلة كبيرة من بغال وحمير محملة عسلاً ذاهبة إلى يزدجرد فعرقلت القافلة تقدم الفيرزان ولم يجد طريقاً، فنـزل عن دابته وصعد الجبل علّه يختفي، فتبعه القعقاع راجلاً فأدركه فقتله. فقيل بعدها: "إن لله جنوداً من عسل" واستاق الفارسان البطلان العسل إلى جند المسلمين، وبعدها سميت "ثنية همدان" "ثنية العسل". جاء معقل بن يسار لما لمح النعمان انزلق به فرسه وأصابه سهم وسقط في أرض المعركة، جاءه بقليل من الماء، وغسل عن وجهه التراب، فقال النعمان: من أنت؟ قال: معقل بن يسار. قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم. قال: الحمد لله، اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت روحه - رضي الله عنه - ورحمه. كأنها إشارة أن اكتبوا إلى عمر أن الذي اخترته لإحراز النصر قد أحرزه، والذي قلت عنه أنه أول الأسنّة لم يخب ظنك فيه وقد كان أول الأسنّة، وها هو ذا أول شهيد في نهاوند. تم النصر من الله لجند الله فجعلوا يسألون: أين أميرنا؟ أين النعمان بن مقرِّن؟ فقال لهم أخوه معقل: "هذا أميركم قد أقر الله عينيه بالفتح وخَتم له بالشهادة". فحزن عليه الجميع واحتسبوه عند الله، وبايعوا حذيفة بن اليمان ودخلوا نهاوند، وتابع القعقاع بن عمرو السير حتى دخل همدان. أتى البشير بالفتح إلى عمر وكان "طريف بن سهم" فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح أعز الله به الإسلام وأذل به الكفر وأهله. فحمد عمر الله - عز وجل - ثم قال: النعمان بعثك؟ فقال: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع وقال: ومن غير النعمان؟ قال طريف: فلان وفلان، حتى عدّ له ناساً كثيراً، ثم قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فبكى عمر وقال: لا يضرهم ألاّ يعرفهم عمر، ولكن الله يعرفهم. صعد عمر المنبر، ونعى الشهيد الحبيب واصفاً رجولته، فضج الحاضرون بالبكاء حتى ضجت جنبات المسجد معهم أسفاً على البدر الآفل والنسر الذبيح. لقد تم النصر للمسلمين في نهاوند، ولكن مصرع النعمان نسج سحابة مظلمة فوق العيون. لقد بكاه الجند المسلم في فارس، وبكاه المسلمون في المدينة أمرّ بكاء. ولكن مما يواسي النفس ويعلل الروح أن النعمان انتقل من هذه الحياة أكرم انتقال، انتقل إلى روضة الشهداء في جنة الله، وإلى قمة الخلود في سجل التاريخ. وقفات من معركة نهاوند: هذه نهاوند وهذا هو بطلها ولنا مع هذه المعركة بعض الوقفات: أولاً: سميت معركة نهاوند بـ"فتح الفتوح"؛ لأنه لم يعد للفرس بعدها اجتماع، فقد شتت النعمان شملهم وفرق جمعهم ومزق دولتهم، وسمح عمر بن الخطاب بعد هذه المعركة لجنده بالانسياح في مملكة يزدجرد إذ كان يخشى عليهم الانسياح قبلها، فكما أن معركة القادسية فتحت أبواب فارس للمسلمين، فلا عجب إذا أطلق المؤرخون على معركة نهاوند "فتح الفتوح". ثانياً: هنيئاً للنعمان بن مقرِّن المزني - رضي الله عنه -، فقد حفظ له التاريخ جهاده تحت لواء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وموقفه الرائع في حروب أهل الردة، وجهاده المشرّف تحت لواء خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص، وبلاءه المجيد في حروب الأهواز، وأخيراً توّج نهاية حياته بفتح نهاوند من أعظم وأكبر مدن فارس حينذاك، وتوّج حياته بنهاية مشرفة هي أكبر من فتح نهاوند ومن كل فتح، إنها الشهادة في سبيل الله. نعم الشهادة في سبيل الله، رتبة عظيمة ومنـزلة جسيمة، لا يلقّاها إلاّ ذو حظ عظيم، ولا ينالها إلاّ من سبق له القدر بالفوز المقيم، وهي الرتبة الثالثة من مقام النبوة كما قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [(69) سورة النساء]. فهم أحياء عند ربهم يرزقون، ولا أجمل من أن أنقل لك نتفاً من كلام ابن النحاس - رحمه الله - تعالى في كتابه مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق: عندما تحدث عن منـزلة الشهيد فقال - رحمه الله -: "فإن مما يجب اعتقاده أن الأجل محتوم، وأن الرزق مقسوم، وأن ما أخطأ لا يصيب، وأن سهم المنيّة لكل أحد مصيب، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الجنة تحت ظلال السيوف، وأن الريّ الأعظم في شُرب كؤوس الحتوف، وأن من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، وأن الشهداء عند الله من الأحياء، وأن أرواحهم في جوف طير خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء، وأن الشهيد تغفر له جميع ذنوبه وخطاياه، وأنه يشفع في سبعين من أهل بيته ومن والاه، وأنه يأمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وأنه لا يجد كرب الموت ولا هول المحشر، وأنه لا يحس ألم القتل إلا كمسّ القرصة، وكم للموت على الفراش من سكرةٍ وغصّة، وأن الطاعم النائم في الجهاد أفضل من الصائم القائم في سواه، ومن حرس في سبيل الله لا تبصر النار عيناه، وأن المرابط يجري له أجر عمله إلى يوم القيامة، وأن ألف يوم لا تساوي يوماً من أيامه، وأن رباط يوم خير من الدنيا وما فيها، وأنه يُأمّن من فتنة القبر وعذابه، وأن الله يكرمه يوم القيامة بحسن مآبه، فواعجباً كيف أن ذروة السنام قد درست آثاره فلا ترى، وطمست أنواره بين الورى، وأَعتم ليله بعد أن كان مُقمَرا، وأظلم نهاره بعد أن كان نيّرا، وذوى غصنه بعد أن كان مورقاً، وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقاً، وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأهملت أسبابه فلا ترمق، وصفنت خيوله فلا تركض، ورُبطت أسوده فلا تنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء إلى المسلمين فلا تُقبض، وأغمدت السيوف من أعداء المسلمين إخلاداً إلى حياة الدعة والأمان، وخرس لسان النفير إليهم فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، ونامت عروس الشهادة إذ عدمت الخاطبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطبين، فلا نجد إلا من طوى بساط نشاطه عنه، أو تركه جزعاً من الموت وهلعا، أو جهل ما فيه من الثواب الجزيل ورضي بالحياة الدنيا من الآخرة، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. هؤلاء الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قد أمنوا من عظيم الأهوال والكربات، وسكنوا في أجل المحالّ في أعلى الغرفات، وكرعوا من النعيم أكوابا، وادّرعوا من التنعيم أثوابا، ومُتعوا بجنان الفردوس مستقراً ومآبا وتمتعوا بحورٍ عينٍ كواعب أترابا، أرواحهم في جوف طير خضر تجول في الجنان تأكل وتشرب، وتأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن، يتمنون الرجوع إلى هذه الدار ليقتلوا في سبيل الله مرات ومرات، لما بهرهم من ثواب الله الجزيل، فما أقبح العجز عن انتهاز مثل هذه الفرص، وما أنجح الاحتراز بالجهاد عن مقاساة تلك الغصص، وليت شعري بأي وجه يلقى الله غداً من فر اليوم من أعدائه، وماطله بتسليم نفسه بعد عقد شرائه، ودعاه إلى جنته ففر وزهد في لقائه، وبأي عذر يعتذر بين يديه من هو عن سبيله ناكب، وعمّا رغّبه فيه من الفوز العظيم راغب، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن للشهيد عند ربه سبع خصال، أن يغفر له في أول دفعة في دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلية الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه)). انتهى كلامه - رحمه الله -. هل من يموت بميدان الجهاد كما *** موت البهائم في الأعطان تنتحر كلا وربي فلا تشبيه بينهمو *** قد قالها خالد إذ كان يحتضر أهل الشهادة في الآثار قد أمنوا *** من فتنةٍ وابتلاءاتٍ إذا قُبروا ويوم ينفخ صور ليس يزعجهم *** والناس قائمةٌ من هوله ذُعروا وما سوى الدَّين من ذنب وسيئةٍ *** على الشهيد فعند الله مغتفر أرواحهم في عُلى الجنات سارحةٌ *** تأوي القناديل تحت العرش تزدهر وحيث شاءت من الجنات تحملها *** طير مغرّدةٌ ألوانها خضر إن الشهيد شفيع في قرابته *** سبعين منهم كما في مسندٍ حصر والترمذي أتى باللفظ في سنن *** وفي كتاب أبي داود معتبر مع ابن ماجة والمقدام ناقله *** في ضمن ست خصال ساقها الخبر ما كل من طلب العلياء نائلها *** إن الشهادة مجد دونه حفر وقد تردد في الأمثال من زمن *** لا يبلغ المجد حتى يلعق الصبر ربي اشترى أنفساً ممن يجود بها *** نعم المبيع ورب العرش ما خسروا ثالثاً: لقد ربح النعمان معركة نهاوند وإن خسر جسده؛ لذلك خلّده التاريخ، ولو خسر هذه المعركة من أجلِ الحفاظ على جسده لأهمله التاريخ، فما أحرانا أن نتعلم هذا الدرس من هذا القائد العظيم، قال الله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا *دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [(95-96) سورة النساء]. رابعاً: عظمة المسلمين ليست في اللباس والخدم والقصور وإنما في التواضع وبساطة الدنيا، تأمل هذا الموقف من الهرمزان عندما رأى عمر - رضي الله عنه -. أُدخل الهرمزان على عمر وكان عمر نائماً في ميمنة المسجد متوسداً برنسه، رأى الهرمزان هذا الإنسان الوحيد نائماً في المسجد فقال: أين عمر؟ قالوا: هو ذا. فقال: أين حرسه وحُجّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب. قال: فينبغي له أن يكون نبياً. قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. استيقظ عمر واستوى جالساً ثم نظر إلى الهرمزان وقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه من الثياب ثم قال: "أعوذ بالله من الناس وأستعين بالله، الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة". قال الله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [(11) سورة الأنبياء] وقال تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ*وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ*كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [(25-28) سورة الدخان]. وقال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [(5) سورة القصص]. خامساً: أتدرون بماذا ننتصر على أعدائنا؟ ننتصر عليهم بعشقنا للموت كما يعشق الكفار الحياة. تأمل موقف الهرمزان عندما واجه الموت طلب الأسر، وجبن عن أن يموت كما يموت الأبطال نصرة لدينهم، وأمجاد أمتهم، بينما كان البراء يطلب الموت في أشرق صورة وهي الشهادة في سبيل الله تعالى؛ لينهزم الأعداء وينتصر المسلمون وذلك عندما دعا "اللهم اهزمهم واستشهدني". وهذا عمر الفاروق يرشح أحد أبطال المسلمين وهو النعمان بن مقرّن لقيادة جيش المسلمين فيصفه بأنه أول من تصله أسنة الأعداء فيصدق حدسه فيه، فيكون النعمان من أوائل شهداء نهاوند وهو يقول كلمات خالدة خلود الزمن: "اللهم اعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك، اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام، أمِّنوا يرحمكم الله". أما قائد الفرس الفيرزان لما رأى هزيمة جيشه فر هارباً لينجو بنفسه ويترك جيشه يلقى مصيره وحتفه على يد المسلمين الأشاوس، لكنه مع ذلك لم ينجو من سيوف المسلمين فذاق طعم الموت والقتل في أسوء صورة وهو فار هارب على يد القعقاع كما ذاقه جيشه. وهذا المغيرة بن شعبة يقول بعدما رأى الزحف يوم نهاوند: "والله ما علمت من المسلمين أحداً يومئذٍ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة، وثبتوا لنا، فما كنا نسمع إلا وقع الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب كبيرة، فلما رأوا صبرنا وأنّا لا نبرح ساحة القتال انهزموا". سادساً: عزة المسلم في إيمانه بدينه العظيم لا بحطام الدنيا وزخرفها كما هو الحال عند الكفار الذين يرون عزتهم في حطام الدنيا وزُخرفها. عندما ذهب المغيرة بن شعبة بمنظر رهيب وشعر مسترسل طويل، استشار "بندار" أصحابه بأي هيئة نأذن له؟ هل بشاراتنا وملكنا وفخامتنا؟ حتى نرهبهم بقوة ملكنا، أم بالتقشف حتى يزهدوا بنا ولا يطمعوا في ملكنا؟ فأشاروا عليه: بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدة. فتهيؤوا له بأفخر الأثاث والثياب وأجلسوا "بندار" على سرير من الذهب وعلى رأسه تاج نفيس. لم يكترث المغيرة بما رأى بل حطّم معنويات الفرس وشعر "بندار" أن المغيرة بدأ يحطم من معنويات جنده؛ لأنه بدأ يُظهر عزته الذي هذبه بها الإسلام وظهرت سوء أخلاقيات الفرس. فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزّة بغير ديننا أذلنا الله، قال الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [(139) سورة آل عمران]. إنه الإسلام الذي جعل المسلمين يفتحون خزائن العلم والحكمة والمعرفة، إنه الإسلام الذي أذاق ملوك الفرس وجبابرة الرومان وطغاة العالم الذل والهوان عندما أرادوا أن يناطحوا صخرته، فإذا ما حاسبنا أنفسنا اليوم وما نحن فيه من مهانة وتأخر وضعف، نجد أننا قد تركنا الإسلام في العبادات والمعاملات والأخلاق، ونسينا أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وقائد نهاوند واليرموك والقادسية، أولئك العظماء الذين نباهي بهم، وفتحوا ما فتحوا ما كانت عظمتهم إلا بفضل الإسلام وبعقيدة الإسلام {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [(85) سورة آل عمران]. سابعاً: إن الأمة اليوم بحاجة إلى مثل بيوت آل مقرّن، فكان فيهم العالم والداعية والمجاهد. كم هو نعمة أن يرزق الرجل بأولاد كلهم جنود للإسلام ويخدمون هذا الدين، كل بحسب ما حباه الله من مواهب وقدرات وهذا سيكون له أثر على تغيير واقع الأمة. وقد حفظ لنا التاريخ عدداً من البيوت كانت بيوت خير وبركة من ذلك: أولاد العباس كانوا عشرة منهم: عبد الله والفضل ومكثر وقثم وعبيد الله وعبد الرحمن وغيرهم، ولا يعرف قبور إخوة تباعدت كما تباعدت قبورهم فهي ما بين: سمرقند واليمن وإفريقيا ومصر والحجاز والعراق والشام وكان الناس يستغربون من مجالس أولاد العباس فعبد الله: ترجمان القرآن، وأخوه عبيد الله: من كبار المنفقين المطعمين المتصدقين، وعبد الرحمن: مجاهد قتل في فتح إفريقيا. والزبير بن العوام كان أولاده علماء ومجاهدون فأكرم به من بيت في الإسلام. ومعاذ ومعوذ ابني عفراء هما الذين قتلا أبا جهل. ومن أسر الإسلام التي لها شأن في خدمة الدين: آل المهلب بالعراق، وآل منده، وآل نور الدين زنكي: أسرة مجاهدة بالموصل وما حوله، وآل قدامة، وآل تيمية. والشيء بالشيء يذكر فوالد شيخ الإسلام عبد الحليم بن عبد السلام كان عالماً جليلاً لكن لم يشتهر ذكره والسبب كما ذكر العليمي في الدارس في تاريخ المدارس أنه خرج بين الشمس والقمر فلهذا لم يذكر! ابنه شيخ الإسلام ابن تيمية ووالده المجد أبو البركات ابن تيمية، وهما من هما في غناءهما عن الإسلام والمسلمين! فلهذا لم يشتهر أمر عبد الحليم وإلا فهو من العلماء. ومن بيوت الإسلام: بيت آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أولاده حسن وحسين وعبد الله وعلي وقد عرفوا بالعلم والدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد يكون الإنسان عالماً كبيراً وحافظاً قديراً يبحث عن الولد فلا يعطيه الله إياه بل يعوضه بانتشار كتبه، و لهذا يؤثر عن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - قوله: "لا تجتمع الذرية والتصنيف لعالم" وقد كان - رحمه الله - يبحث عن الولد ويطلبه وتزوج وتسرّى من أجل طلبه، ولمّا ولد للحافظ ولد بعد عدد من البنات صنف له كتابه "بلوغ المرام" ليحفظه وليكون عالماً حافظاً، فأين هو ابنه؟ لا يعرف بحفظ ولا علم ولا مشاركة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والعجيب أن الحافظ - رحمه الله - أصبح ينسب إليه من جهة أحد أسباطه من عقب بناته، فيقال: سبط ابن حجر! وهو الذي كان يبحث عن الولد الذكر. وهذا يذكّرنا بسبط ابن الجوزي حيث ينتسب إليه من جهة إحدى بناته وكان مصنِفاً، بينما كان أولاد ابن الجوزي يذيقونه الحسرات، فكان أحدهم يشي به عند السلطان! حتى أنه كان يبحث عن غفلة أبيه ليبيع كتبه! والآخر اسمه يوسف وقد نُقل عن ابن الجوزي أنه كان لا يستطيع قراءة سورة يوسف لما في قلبه من وَجدٍ على ولده. ونقل –أيضاً- عن أحد التابعين أن له أربعة أولاد كل منهم على طريقة فأحدهم: شيعي والآخر خارجي والثالث سني والرابع مرجيء، هذا وهم أولاد رجل و امرأة عاشوا تحت سقف واحد فلله الحجة البالغة. صدق عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عندما قال: "إن للإيمان بيوتاً وللنفاق بيوتاً، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرِّن". والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. اللهم رحمةً أهدي بها قلوبنا
__________________
![]() أذا اردت شيئا فاطلق صراحه ان عاد لك فانه ملكك وان لم يعد فهو ليس ملكك من البداية عطر الورد وطيب الزهر |
|
|
|
|
|
#5 (permalink) |
|
نـبـض متألق
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: سوريا الحبيبة
المشاركات: 1,684
معدل تقييم المستوى: 38 ![]() |
معركة أجنادين
هي معركة وقعت بين المسلمين والبيزنطيين عام 634 م قرب مدينة الرملة في فلسطين. مقدمة الصحابي الجليل عمرو بن العاص ، أول قائد عقد له أبو بكر الصديق رضي الله عنه لواء فتح الشام، وأمره بأن يعسكر بجيشه في تيماء شمالي الحجاز، وأوصاه بعدم البدء في القتال إلا إذا قُوتل، وكان الخليفة الحصيف يقصد من وراء ذلك أن يكون جيش خالد عونًا ومددًا عند الضرورة، وأن يكون عينه على تحركات الروم لا أن يكون طليعة لفتح بلاد الشام. وحدث ما كان منه بدٌ، فقد اشتبك خالد بن سعيد مع الروم التي استنفرت بعض القبائل العربية من بهراء وكلب ولخم و جذام و غسان لقتال المسلمين، ولم تكن قوات خالد تكفي لقتال الروم، فُهزم هزيمة قاسية في "مرج الصفر" في (4 من المحرم 13 هـ = 11 من مارس 634م) واستشهد ابنه في المعركة، ورجع بمن بقي معه إلى "ذي مروة" ينتظر قرار الخليفة. ابوبكر الصديق يعقد أربعة ألوية ولما وصلت أنباء الهزيمة إلى الخليفة أبي بكر الصديق أهمه الأمر، وجمع كبار الصحابة لتبادل الرأي والمشورة، واستقر الرأي على دفع العدوان، ورد الروم الذين قد يغرهم هذا النصر المفاجئ فيهددون أمن الدولة التي بدأت تستعيد أنفاسها بعد قضائها على حروب الردة، وتوالي أنباء النصر الذي تحقق في جبهة العراق. جهّز الخليفة الصديق أربعة جيوش عسكرية، واختار لها أكفأ قواده، وأكثرهم مرانًا بالحرب وتمرسًا بالقتال، وحدد لكل جيش مهمته التي سيقوم بها. أما الجيش الأول فكان تحت قيادة "يزيد بن أبي سفيان"رضي الله عنه ، ووجهته " البلقاء" في الاردن .ويذكر "المدائني" أنه كان أول أمراء الشام خروجًا. - وكان الجيش الثاني بقيادة "شرحبيل بن حسنة"رضي الله عنه، ووجهته منطقة " بُصرى". - وجعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه قيادة الجيش الثالث لـ "أبو عبيدة بن الجراح"، ووجهته منطقة "الجابية"، وقد لحق خالد بن سعيد الذي ذكرناه آنفًا بجيش أبي عبيدة. - أما الجيش الرابع فكان بقيادة "عمرو بن العاص" رضي الله عنه، ووجهته "فلسطين". وأمرهم أبو بكر الصديق بأن يعاونوا بعضهم بعضًا، وإذا اجتمعوا معًا فالقيادة العامة لـأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. وصية الصديق للقادة وكان الصديق كلما خرج لتوديع جيش من الجيوش الأربعة يوصي قائده بوصايا جامعة، تبين سلوك الفاتحين المسلمين وأخلاقهم في التعامل مع أهالي البلاد القادمين إليها. وأقتطف من وصية الصديق لـ يزيد بن أبي سفيان هذه الكلمات: "وإني موصيكم بعشر كلمات فاحفظوهن: لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًا صغيرًا ولا امرأة، ولا تهدموا بيتًا ولا بيعة، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تُغرقوه، ولا تعص، ولا تجبن…" وجاء في وصيته لـ عمرو بن العاص: ".. اسلك طريق إيلياء حتى تنتهي إلى أرض فلسطين، وإياك أن تكون وانيًا عما ندبتك إليه، وإياك والوهن، وإياك أن تقول: جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به، واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بدر، فأكرمهم واعرف حقهم، ولا تتطاول عليهم بسلطانك.. وكن كأحدهم وشاورهم فيما تريد من أمرك، والصلاة ثم الصلاة، أذن بها إذا دخل وقتها، واحذر عدوك، وأمر أصحابك بالحرس ، ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم..". وكان مجموع تلك القوات نحو 24 ألف مقاتل، وقد نجحت تلك الجيوش في التوغل في جنوبي الشام، واشتبكت في مناوشات صغيرة مع الروم، واضطر قيصرهم إلى حشد ما يملك من قوات وعتاد حتى يدفع جيوش المسلمين التي أقبلت، ولا هم لها سوى فتح تلك البلاد ونشر العدل والمساواة فيها، ولما رأى المسلمون ما يحشده الروم من قوات ضخمة أرسلوا إلى الصديق يخبرونه بحالهم ويطلبون منه المدد، فأمدهم بـعكرمة بن أبي جهل ومن معه من الرجال، وكان الصديق قد استبقاهم في المدينة تحسبًا لأي طارئ أو مفاجأة تحدث في أثناء الفتح، غير أن جبهة القتال لم يحدث فيها تغيير، ولم يغير المدد شيءًا مما يجري، وتجمد الموقف دون قتال يحسم الموقف في الوقت الذي كان فيه خالد بن الوليد في جبهة العراق ينتقل من نصر إلى نصر، والأبصار متعلقة بما يحققه من ظفر لا تكاد تصدق أن تتهاوى قوة الفرس أمام ضربات خالد حتى سقطت الحيرة في يديه. الاستعانة بخالد بن الوليد هال الخليفة أبا بكر أن تبقى الأوضاع في الشام دون تحريك، وأن يعجز القادة المجتمعون على تحقيق النصر في أول الجولات بينهم وبين قوات الروم التي لم تكن ضعيفة الجانب قليلة الجند، وإنما كانت تعيش فترة زاهية بعد فوزها على الفرس وعودة الثقة إليها. وعزم الصديق على بث روح جديدة تعودت الفوز والظفر، ومشى النصر في ركابها كأنه قدرها المحتوم، ولم يكن غير خالد من يمكنه تغيير الأوضاع، وإثارة الهمم، ووضع الخطط التي تأتي بالنصر، وكان الصديق أكثر الناس ثقة في كفاءة خالد وقدرته العسكرية، فأطلق كلمته السائرة التي رددتها كتب التاريخ: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد". وبعث الصديق إلى خالد بأن يقدم إلى الشام ومعه نصف قواته التي كانت معه في العراق، حتى يلتقي بأبي عبيدة بن الجراح ومن معه، ويتسلم القيادة العامة للجيوش كلها، وفي الوقت نفسه كتب الصديق إلى أبي عبيدة يخبره بما أقدم عليه، وجاء في كتابه: ".. فإني قد وليت خالدًا قتال الروم بالشام، فلا تخالفه، واسمع له وأطع أمره، فإني قد وليته عليك، وأنا أعلم أنك خير منه، ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك سبل الرشاد والسلام عليك ورحمة الله". امتثل خالد بن الوليد لأوامر الخليفة، وخرج من الحيرة بالعراق في (8 من صفر 13 هـ = 14 من أبريل 634م) في تسعة آلاف جندي، فسار شمالاً ثم عرج حتى اجتاز صحراء السماوة في واحدة من أجرأ المغامرات العسكرية في التاريخ، وأعظمها خطرًا؛ حيث قطع أكثر من ألف كيلو متر في ثمانية عشر يومًا في صحراء مهلكة حتى نزل بجيشه أمام الباب الشرقي لدمشق، ثم سار حتى أتى أبا عبيدة بالجابية؛ فالتقيا ومضيًا بجيشهما إلى "بصرى". تجمعت الجيوش كلها تحت قيادة خالد بن الوليد، وحاصر بصرى حصارًا شديدًا واضطرت إلى طلب الصلح ودفع الجزية، فأجابها خالد إلى الصلح وفتحها الله على المسلمين في (25 من شهر ربيع الأول 13 هـ = 30 من مايو 634م)، فكانت أول مدينة فُتحت من الشام صلحًا على أن يؤمنوا على دمائهم وأموالهم وأولادهم، نظير الجزية التي سيدفعونها. الاستعداد لأجنادين بعد سقوط بُصرى استنفر هرقل قواته، وأدرك أن الأمر جد لا هذر فيه، وأن مستقبل الشام بات في خطر ما لم يواجه المسلمون بكل ما يملك من قوة وعتاد، حتى تسلم الشام وتعود طيعة تحت إمرته، فحشد العديد من القوات الضخمة، وبعث بها إلى بصرى حيث شرحبيل بن حسنة في قواته المحدودة، وفي الوقت نفسه جهّز جيشًا ضخمًا، ووجّهه إلى أجنادين من جنوب فلسطين، وانضم إليه نصارى العرب والشام. تجمعت الجيوش الإسلامية مرة أخرى عند أجنادين، وهي موضع يبعد عن "بيت جبرين" بحوالي أحد عشر كيلو مترًا، وعن الرملة حوالي تسع وثلاثين كيلو مترًا، وكانت ملتقى مهمًا للطرق. نظم خالد بن الوليد جيشه البالغ نحو 40 ألف جندي، وأحسن صنعه وترتيبه على نحو جديد، فهذه أول مرة تجتمع جيوش المسلمين في الشام في معركة كبرى مع الروم الذين استعدوا للقاء بجيش كبير بلغ 90 ألف جندي. شكّل خالد جيشه ونظّمه ميمنة وميسرة، وقلبًا، ومؤخرة؛ فجعل على الميمنة "معاذ بن جبل"، وعلى الميسرة سعيد بن عامر، وعلى المشاة في القلب أبا عبيدة بن الجراح وعلى الخيل "سعيد بن زيد"، وأقبل خالد يمر بين الصفوف لا يستقر في مكان، يحرض الجند على القتال، ويحثهم على الصبر والثبات، ويشد من أزرهم، وأقام النساء خلف الجيش يبتهلن إلى الله ويدعونه ويستصرخنه ويستنزلن نصره ومعونته، ويحمسن الرجال. وتهيأ جيش الروم للقتال، وجعل قادته الرجالة في المقدمة، يليهم الخيل، واصطف الجيش في كتائب، ومد صفوفهم حتى بلغ كل صف نحو ألف مقاتل. اشتعال المعركة وبعد صلاة الفجر من يوم (27 من جمادى الأولى 13 هـ = 30 من يوليو 634م) أمر خالد جنوده بالتقدم حتى يقتربوا من جيش الروم، وأقبل على كل جمع من جيشه يقول لهم: " اتقوا الله عباد الله، قاتلوا في الله من كفر بالله ولا تنكصوا على أعقابكم، ولا تهنوا من عدوكم، ولكن أقدموا كإقدام الأسد وأنتم أحرار كرام، فقد أبيتم الدنيا واستوجبتم على الله ثواب الآخرة، ولا يهولكم ما ترون من كثرتهم فإن الله منزل عليهم رجزه وعقابه، ثم قال: أيها الناس إذا أنا حملت فاحملوا ". وكان خالد بن الوليد يرى تأخير القتال حتى يصلوا الظهر وتهب الرياح، وهي الساعة التي كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحب القتال فيها، ولو أدى ذلك أن يقف مدافعًا حتى تحين تلك الساعة. أعجب الروم بكثرتهم وغرتهم قوتهم وعتادهم فبادروا بالهجوم على الميمنة؛ حيث يقف معاذ بن جبل، فثبت المسلمون ولم يتزحزح أحد، فأعادوا الكرة على الميسرة فلم تكن أقل ثباتًا وصبرًا من الميمنة في تحمل الهجمة الشرسة وردها، فعادوا يمطرون المسلمين بنبالهم، فتنادى قادة المسلمين طالبين من خالد أن يأمرهم بالهجوم، حتى لا يظن الروم بالمسلمين ضعفا ووهنا ويعاودون الهجوم عليهم مرة أخرى، فأقبل خالد على خيل المسلمين، وقال: احملوا رحمكم الله على اسم الله" فحملوا حملة صادقة زلزلزت الأرض من تحت أقدام عدوهم، وانطلق الفرسان والمشاة يمزقون صفوف العدو فاضطربت جموعهم واحتلت قواهم. فلما رأى القبقلار قائد الروم أن الأمر خرج من يده، وأن الهزيمة واقعة لا محالة بجنوده قال لمن حوله: لفوا رأسي بثوب، فلما تعجبوا من طلبه قال: يوم البئيس لا أحب أن أراه! ما رأيت في الدنيا يومًا أشد من هذا، وما لبث أن حز المسلمون رأسه وهو ملفوف بثوبه، فانهارت قوى الروم، واستسلمت للهزيمة، ولما بلغ هرقل أخبار الهزيمة أسقط في يده وامتلأ قلبه رعبًا. بطولة وفداء وفي هذه المعركة أبلى المسلمون بلاءً حسنًا، وضربوا أروع الأمثلة في طلب الشهادة، وإظهار روح الجهاد والصبر عند اللقاء، وبرز في هذا اليوم من المسلمين "ضرار بن الأزور"، وكان يومًا مشهودًا له، وبلغ جملة ما قتله من فرسان الروم ثلاثين فارسًا، وقتلت "أم حكيم" الصحابية الجليلة أربعة من الروم بعمود خيمتها. وبلغ قتلى الروم في هذه المعركة أعدادًا هائلة تجاوزت الآلاف، واستشهد من المسلمين 450 شهيدًا. وبعد أن انقشع غبار المعركة وتحقق النصر، بعث خالد بن الوليد برسالة إلى الخليفة أبي بكر الصديق يبشره بالنصر وما أفاء الله عليهم من الظفر والغنيمة، وجاء فيها: ".. أما بعد فإني أخبرك أيها الصديق إنا التقينا نحن والمشركين، وقد جمعوا لنا جموعا جمة كثيرة بأجنادين، وقد رفعوا صلبهم، ونشروا كتبهم، وتقاسموا بالله لا يفرون حتى يفنون أو يخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعناهم بالرماح، ثم صرنا إلى السيوف، فقارعناهم في كل فج.. فأحمد الله على إعزاز دينه وإذلال عدوه وحسن الصنيع لأوليائه"؛ فلما قرأ أبو بكر الرسالة فرح بها، وقال: "الحمد لله الذي نصر المسلمين، وأقر عيني بذلك". كانت معركة اجنادين أول لقاء كبير بين جيوش الخلافة الراشدة والروم البيزنطيين في الصراع على الشام، وجرت بحوالي سنتين قبل اللقاء الفاصل والحاسم في معركة اليرموك عام 636 ميلادي.
__________________
![]() أذا اردت شيئا فاطلق صراحه ان عاد لك فانه ملكك وان لم يعد فهو ليس ملكك من البداية عطر الورد وطيب الزهر |
|
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| معارك،معركة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| اشهر المعاقين في التاريخ | nour3inaye | نبض المعلومات - بنك المعلومات | 7 | 11-26-2010 10:38 PM |
| شخصيات حولت مجرى التاريخ | عطر الورد | نبض المعلومات - بنك المعلومات | 12 | 07-27-2010 02:34 PM |
| احذية التاريخ | معليش | قصص واقعيه - قصه حب - روايات طويله - رواية حب | 3 | 07-19-2009 08:12 AM |
| ابتسامات من التاريخ | دفاء شوقي | ونــآسُه وصُرقـعـَهٌ | 4 | 06-19-2009 07:06 AM |
| احذية ثلاثة دخلت التاريخ | عنـــادي وغلاآآك | مواضيع عامه - مواضيع متنوعه | 12 | 02-01-2009 05:23 PM |